محمد جواد مغنية
54
في ظلال الصحيفة السجادية
وأدلتهم ، فوجدتها ترتكز على أمرين : الأوّل : ما ذكر ذاكر أنّه شاهد ميتا خرج من قبره ، وعاد إلى النّشأة الأوّلى . الجواب : لا أحد يدعي عودة الميت إلى النّشأة الأولى ( أي الحياة الدّنيا ) كي يقال له : ما رأينا ميتا عادت إليه الحياة ، وإنّما العودة إلى النّشأ الأخرى ، وهي الآن في عالم الغيب ، ولا يجليها سبحانّه إلا لوقتها . الأمر الثّاني : مجرد الاستبعاد أن يعود الميت إلى الحياة . الجواب : لقد وجد الإنسان ولم يك شيئا ، فالذي أوجده من لا شيء يعيده ثانية ، وبكلام آخر كلّ من يعترف بأنّ الإنسان وجد بسبب ، أو بالصدفة ، فعليه أن يعترف حتما بإمكان وجوده حيّا بعد الموت بالصدفة ، أو سبب تماما كما وجد في البداية . . . أبدا لا مفر من الاعتراف بإمكان الوجودين معا ، أو بإنكارهما معا ، علما بأنّ إنكار الأوّل مخالف للحس ، والعيان ، ومن أعترف بالوجود الأوّل ، وأنكر إمكان الوجود الثّاني فقد فصل الشّيء عن ذاته ، وناقض نفسه بنفسه ، ولذا قال الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام : « عجبت لمن أنكر النّشأة الأخرى وهو يرى النّشأة الأوّلى » « 1 » . ( لا يسئل عمّا يفعل وهم يسئلون ) « 2 » ، كلّ عاقل يأخذ بشهادة الصّادق الأمين ، ويعمل بنصيحة الطّبيب الخبير المخلص ، والعالم المتخصص - بلا سؤال وتردد ، ولا يخرج عن هذه القاعدة إلا شاذ : « فإنّ الشّاذ من النّاس للشّيطان ، كما أنّ الشّاذ من الغنم للذئب » « 3 » كما قال الإمام عليه السّلام . واللّه سبحانه هو العلم ، والصّدق ،
--> ( 1 ) انظر ، نهج البلاغة : 4 / 30 ، الحكمة ( 126 ) ، شرح نهج البلاغة لابن ميثم البحراني : 5 / 309 . ( 2 ) الأنبياء : 23 . ( 3 ) انظر ، نهج البلاغة : 2 / 8 ، الحكمة ( 127 ) ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 8 / 112 ،